طباعة

من معاني الحج

الجمعة, 05 حزيران/يونيو 2015     كتبه 

يتميز الحج بمعان سامية وحكم شريفة عالية تدعونا للتأمل في أركانه وأفعاله‏, ‏والنظر في نتائجه وآثاره‏,‏ وهي في الجملة تطهير الأبدان وتزكية النفوس‏,‏ فأفعال الحج كلها تربية عملية على الطاعة التامة لله رب العالمين‏,‏ والإخلاص في العبودية له، والامتثال لأمره‏, ‏فضلا عن شمولها لكثيرٍ من المعاني التي تسهم في بناء مجتمع إسلامي متكامل‏,‏ ووحدة عضوية وروحية مترابطة‏. ‏ومن تلك المعاني العظيمة‏:‏

‏(1)‏ التجرد‏:‏ فالحج ينأى بالإنسان عن هموم الحياة وتعلقه بها لتصفو نفسه وتسمو روحانيته فيزداد قربا من الله‏,‏ وأولى خطوات هذا التجرد هي الإحرام‏,‏ الذي يعني التجرد من كل ما سوى الله‏,‏ وأسوتنا في هذا التجرد وذلك التعلق ما فعله وقاله أبو الأنبياء إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين‏: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [‏إبراهيم‏:37].

والحاج في هذه الحالة من التجرد لله يتشبه بالملائكة في التجرد المحض للخير‏,‏ قال الله تعالى فيهم‏: (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التَّحريم:6] وفي ذلك يقول الإمام الغزالي‏: «‏التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين‏,‏ والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين‏,‏ والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين‏;‏ فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان‏,‏ والمتجرد للشر شيطان‏,‏ والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان» [‏الإحياء 3/105].

وعندما يكون المرء أقرب للملائكة ينبذ الرفث ويهجر الفسوق ويتزود بخير زاد‏,‏ كما قال تعالى‏: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197],‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: «‏من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (‏صحيح البخاري 2/553).‏

‏(2)‏ المداومة بعض الوقت على أعمال الآخرة‏:‏ ومظهر ذلك الذكر والتلبية‏ ,‏فعندما يتجرد القلب لله يعرف القصد والغاية‏,‏ فلا يقطعه عنه قاطع‏,‏ ولا يشغله عنه شاغل‏,‏ فيلهج لسانه بذكر الله عز وجل ودعائه وتلبيته‏,‏ فلا نسمع إلا صدى التلبية وأصوات التكبير التي تبين أن هذه الأمة في حقيقتها إنما تكبر الله‏,‏ وتستصغر كل شيء سواه‏,‏ وتتحقق بذلك واقعا‏,‏ فتبتهج الخلائق من حول الحجاج فتشدو أجمل الألحان وأصدقها‏: «‏لبيك اللهم لبيك‏,‏ لبيك لا شريك لك لبيك»,‏ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏: «‏ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا» (‏الترمذي3/410)، وهذا الذكر يؤدي إلى شحن القلوب وغمرها بفيوض الإيمان‏,‏ وإلى تقوية الصدور باليقين والتجرد لرب العالمين‏.‏

‏(3)‏ التقاء الأرض بالسماء‏:‏ ففي ظل هذه الروح العامرة بالذكر تلتقي الأرض بالسماء حين تقع عين المرء على الكعبة المشرفة ويعلم أن الدعاء عندها مطلوب ومستجاب‏;‏ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: «‏الحجاج والعمار وفد الله‏,‏ إن دعوه أجابهم‏,‏ وإن استغفروه غفر لهم» (‏سنن ابن ماجه 2/966),‏ قال المناوي‏: «‏وعند رؤية الكعبة يحتمل أن المراد أول ما يقع بصر القادم إليها عليها‏,‏ ويحتمل أن المراد ما يشمل دوام مشاهدتها‏,‏ فما دام إنسان ينظر إليها فباب السماء مفتوح والدعاء مستجاب‏, ‏والأول أقرب» (‏فيض القدير 3/339).‏

وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش وأيضا الطائفين حول البيت المعمور في السماء السابعة‏,‏ وما القصد طواف الجسم‏, ‏بل طواف القلب بذكر الرب سبحانه‏. ‏وفي التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت‏, ‏وتبركا بالمماسة وبالإلحاح في طلب المغفرة‏.‏

وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاة تردد العبد بفناء الملك ذهابا ومجيئا إظهارا للخلوص في الخدمة‏, ‏ورجاء للملاحظة بعين الرحمة‏, ‏والتجاء إلى من بيده الضر والمنفعة‏.‏

‏(4)‏ الشعور بالانتماء لأمة مترامية الأطراف مترابطة الأواصر‏:‏ وذلك يوم وقوف الحجيج جميعا بعرفة في صعيدٍ واحد ووقتٍ واحد‏,‏ ساعتها يدرك الإنسان أن تكاليف الشرع سهلة المنال‏;‏ إذ السالكون والوافدون من كل فجٍ عميق‏,‏ تحقيقا لوعد الله تعالى لخليله إبراهيم‏: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج:27],‏ وفي هذا تذكرة بيوم الحشر واجتماع الأمم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول‏,‏وفي ذكر ذلك إلزام القلب الضراعة والابتهال إلي الله عز وجل ورجاء الحشر في زمرة الفائزين‏,‏ فالموقف مهيب وشريف‏,‏والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب النقية‏.‏ وفي هذا الموقف تتضح لنا قيمة الوحدة والتآلف والتراحم بين أفراد هذه الأمة التي هي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى‏.‏

‏(5)‏ الفأل الحسن برفع الأذى‏:‏ حيث نجد الحاج بعد رمي الجمرات والنحر والحلق أو التقصير في راحة نفسية كبيرة‏,‏ استبشارا بأنه كما أزال عن جسده الدرن والأذى الجسماني‏,‏ أن يمن الله عليه بالتخلص من درن الذنوب والخطايا والأذى النفساني‏.

‏(6)‏ اقتران الشهادتين‏:‏ ففي الحج أيضا صورة من صور اقتران شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله‏,‏ حين يهفو الحجيج إلى المدينة المنورة شوقًا لزيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم‏,‏ فهو من دلنا إلى الطريق المستقيم‏,‏ وأرشدنا إلى ذلك الفضل العظيم‏,‏ فزيارة المدينة النبوية لها شأن كبير في الدلالة على ارتباط الشهادتين‏,‏ والاعتراف بالجميل لسيد الخلق وخاتم المرسلين‏,‏ على ما أسداه إلينا من معروف فكنا بفضل الله من المسلمين‏. ‏وصدق من قال‏:‏ فذو العرش محمود وهذا محمد‏.‏

عدد الزيارات 5116 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)